

لواقع التنمية تجليات وتمثلات تستقر في عناصر صغيرة تحيل على مسار طويل من العمل الشاق والجاد والمستمر والمنبعث من العمق وفق رؤية محددة. تكشف هذه التجليات عن بعض ركائز تجربة التنمية وهوية المستفيد من ثمارها، كما تعكس في الوقت نفسه عوامل عدم توافقها مع سقف الطموحات أو أسباب الإخفاق في تحقيقها.
إننا نتحدث هنا عن مظاهر تعكس مدى نضج التجربة التنموية في عدد من البلدان، ومدى ترسخها في نمط عيش الناس، من خلال ما يبدونه من سلوك وردات فعل، وطريقة تفكير، ونوعية اختيارات، وميولات، وقيم فاعلة.
بادئ ذي بدء، نتوقف عند المواطن، النواة الصلبة التي تتمحور حولها التجربة التنموية، حيث تُستثمر ملكاته وتُستنهض طاقاته في محاولة لمجاراة طموحاته والاستجابة لمطالبه. فعند معاينة موقع المواطن في الحياة السياسية، والوقوف على مستوى انخراطه فيها — ليس فقط بالممارسة بل أيضاً بالمتابعة والنهوض بالواجبات العامة — نكتشف تبايناً بين المواطن السلبي والمواطن المنخرط فعلياً في حياة مجتمعه، وهو ما يفتح محاور عدة للتأمل.
على المستوى الشخصي، يمكن الوقوف على نوعية أحلام المواطنين؛ فثمة من يحمل طموحات كبرى، وثمة من لا تتعدى مطالبه حدود الحاجات الأساسية. كذلك، يطرح السؤال حول مدى إقبال المواطن على المنتوج المحلي، وثقته في الاستثمار ببلده، وحرصه على الحفاظ على المرافق العامة، أو لامبالاته تجاهها.
كما أن نوعية الحوار الدائر بين المواطنين، والغاية منه — هل هي الانتصار أم تبادل الأفكار — تعكس بدورها طبيعة البنى الفكرية والذهنية السائدة. فكيف يرى المواطن مشاكله وإخفاقاته؟ هل يحاول فهمها بالعقل التحليلي والمنطق الواقعي، أم يهرع إلى لوم الآخرين واستدعاء نظرية المؤامرة أو تأويلات فقهية متقادمة؟ كل ذلك يساهم في بناء تصور حول مدى نجاح تجربة “صناعة الإنسان” في البلد، وأولوية الاستثمار في الرأسمال البشري.
وعند الانتقال إلى الجانب الاقتصادي، تتبدى مؤشرات بسيطة لكنها كاشفة لبنية الاقتصاد وهويته وحركيته. فمثلاً، مجرد تفحص لائحة أغنياء البلد يكشف ضمنياً طبيعة العلاقة بين السلطة والمال، وحقيقة المنافسة الحرة، ومدى قوة الاحتكار، وحضور الريع، وطرق الاغتناء ومراكمة الثروات. كما أن حصة المقاولات الصغرى والمتوسطة من القطاع الخاص تعبّر عن المناخ الاقتصادي العام، وعن مدى حرية المبادرة الفردية وفرص نجاحها.
وفي الشق الاجتماعي، نغوص في عمق المجتمع حيث تتقاطع البنى النفسية والثقافية والفكرية، فنرى مخرجات السياسات الاقتصادية والاجتماعية ونوعية الموارد البشرية المتاحة. فحتى مؤشرات بسيطة — مثل توقيت استيقاظ الناس وساعات الذروة المرورية — يمكن أن تعطي صورة أولية عن حركية المجتمع ونزوعه نحو العمل أو اتكاليته وخموله. هناك مجتمعات تستثمر في طاقاتها البشرية وتستفز ملكاتها، وأخرى تعطل مقدراتها وتختار الانحدار الذاتي.
كما تكشف بعض الأرقام الخاصة بعدد السجناء والمشردين والمتسولين والعاطلين، إضافة إلى نسب الهدر المدرسي وولوج الأطفال إلى التعليم النظامي، عن عمق أزمة “صناعة الإنسان” والأولوية التي تحظى بها في السياسات العامة. إنها بعض ملامح الوجه المظلم للمجتمع الذي لا يمكن تجاهله عند تقييم تجربة التنمية.
أما ثقافياً، فالتساؤل يدور حول طبيعة الوعاء الثقافي القائم ومدى استيعاب المواطن لمفهوم الهوية الثقافية، وكيفية تعامل الدولة معها. هل تُعتبر الهوية الثقافية مسألة حياة أو موت أم تُختزل في تعريف سطحي يفرغها من مضمونها؟ هل تتقدم اللغة الوطنية أم تتراجع؟ وما موقع اللهجات المحلية في المشهد الثقافي؟ ثم ماذا عن موقع “الثقافة العالمة” وعدد المكتبات وحجم النشر السنوي؟ تلك كلها مؤشرات إلى حقيقة “مجتمع المعرفة” أو “مجتمع الجهل”.
وفي الشق السياسي، تتجلى مظاهر عديدة تمكّن من مقاربة الواقع السياسي. ففي البلدان التي يطغى فيها اسم الحاكم على مؤسسات الدولة، يظهر مدى شخصنة السلطة وضعف المؤسسات، وسطحية العملية الانتخابية، خصوصاً إذا كان النظام يدّعي النهج الديمقراطي. بينما نرى في الدول الاسكندنافية مثلاً أن لا أحد يعرف أسماء رؤسائها أو وزرائها، لأن الاهتمام ينصب على جودة الحياة ونجاح التجربة التنموية لا على تمجيد الأشخاص.
كما يعكس موقع وزارة الداخلية في بنية الدولة حقيقة فصل السلطات، وطبيعة المؤسسات الأمنية، ومدى تغلغل المقاربة الأمنية في الحياة العامة، إضافة إلى قوة المعارضة وحرية الصحافة واستقلالها في أداء دورها الرقابي.
وأخيراً، يمكن أن نضيف بعض التجليات المتفرقة دون ترتيب أو تصنيف، تاركين للقارئ حرية تأويلها وربطها بما سبق، ومنها:
كل تلك العناصر، على تباينها، تشكل مرآة صادقة لتجربة التنمية في أي بلد، وتكشف مدى عمقها الإنساني ومتانتها المؤسسية وقدرتها على صناعة مواطن حر ومنتج وواعٍ بذاته ومجتمعه.
تم نشر القصة على العربي الجديد 21 أكتوبر 2025 أنقر