
الشهرة
كنتُ منغمساً في نومٍ محمود، أطلبُ ودّه كل ليلة بعدما تمرد عليّ وطلب الفراق، أستجدي منه قسطاً من الراحة يسعفني في النهوض بما ينتظرني من واجبات يومية لا تتسامح مع التأجيل أو التأخير، ولا تبدي الرحمة إزاء تقلبات أوضاعي المعيشية. زارني النوم وتملّكني بعد منتصف الليل، لكن بعد ساعة ونصف من الزمن فقط، تحرّك اللاوعي بقوة وأبى إلا أن يتمرد وينغّص عليّ لحظات غيبوبةٍ أظفرُ بحيادها وأسافرُ خلالها بعيداً عن عتمة الواقع وما يحمله من تحديات. تحوّلت العينان بسرعة إلى نافذتين مفتوحتين على مصراعيهما، وسريعاً ما أدركتُ أن النوم يتمرد ويتلاعب بأعصابي وحبي له، كمن يبتز إنساناً مقابل فدية مجهولة وغير معلنة. أجدُ نفسي تحت رحمة ظلمة الليل التي تتحول بعد ثوانٍ معدودة إلى ظلمات ثقيلة تفتك بالعقل وتقوده إلى تفكير عقيم لا يُجنى منه أي شيء. صار الوجود عدماً، والعدم وجوداً، واضمحلت قوى العقل وتوارت، تاركةً أذرع المقاومة للوجدان والمشاعر.
في قلب الظلام، ينتابني فزع غير مفهوم من خطر خفي لا تستطيع الذات إدراك هويته؛ فزع من لاشيء، ومن أي شيء، ومن كل شيء. تستدرج الذات طواعية لإجراء حفريات لهذا الفزع الذي يتحول إلى أنفاق من الهلع تتشابك وتتداخل ولا تنتهي. تصير الذات صغيرة بعدما غادرتها الطمأنينة واستوطنها الشك والريب والضياع، لا تعرف أين تتجه، وحيدة معزولة في ظلمة تشتد حلكتها مع التدرج في طبقاتها اللامتناهية.
شعورٌ بالوحدة رهيبٌ يُحيل إلى قلة الحيلة وانفصال الذات عن العالم؛ كجنديٍّ أعزلَ في صحراءَ قاحلةٍ، مُحاطٍ بالأعداء من كل جانب، حُرِم من الماء والطعام والسلاح، كلما وجَّه نظراته إلى وِجهةٍ ما، لا يرى إلا السراب والضياع، حتى الجرأةُ على طرح سؤال “أين المخرج؟” جُرِّد منها، وبات لا يستطيع البوح ولو بكلمة.
يا لها من مواجهة ! الذات في مواجهة الذات، لا تستطيع الفرار أو المراوغة أو التأجيل؛ مواجهة مرعبة غير مرحب بها، تستفرد الذات بنفسها وتهاجم نواقصها ومخاوفها و مكامن قلقها، كيف لا وهي التي تعرف كل صغيرة وكبيرة عن نفسها ولا تجدي معها محاولات الكذب أو الإخفاء أو الادعاء، كل شيء أمامها مكشوف. تركز نظراتها على العينين و تجعل الذات جامدة مستسلمة لقوة النظرات وعمق استهدافها.
ما من مشكلةٍ أو وجعٍ أو قلقٍ أو أسى عاطفي أو ذهني إلا وحضر، وتحوّل إلى شبحٍ جعل الليل طويلاً كثيفاً لا ينتهي. هم زوارٌ يَفِدُون بدون دعوة، بل ينتظرون ويترصدون هذه اللحظة، وينقضّون على الذات ويتناوبون على تعذيبها وتمزيقها ببطءٍ وفعاليةٍ وحبكة. لا يرأفون بالذات المنهكة، غير القادرة على المواجهة أو المقاومة؛ أُلقِيَ بها في جُبٍّ بدون قاع، فهوت ولم تصل إلى ذاك القاع العميق، ولن تصله أبداً.
هل ظلمة الواقع أرحم؟ ربما نعم، ما دامت الذات مختبئة في رحم الجماهير والعوام، تدعي وتتوهم وجود الأنيس والرفيق والصاحب والحبيب، وتعانق الأوهام كما تحب وتختار وتصطنع.
أظن أن قصتي تخص الكثيرين ممن يتقاسمون التجربة ذاتها بتفاصيلها، في انتظار رحيل أرق الليل الطويل، وبزوغ فجر جميل، وولادة جديدة للذات المتعبة.
تم نشر المقال على رأي اليوم 05 شتنبر 2026 أنقر