
أخلد الرجل إلى الراحة واسترسل في تدبر بعضا من خواطره لعله ينشغل بما يفيد ويقي نفسه قسوة الواقع ولهيب الأفكار السلبية. و نحن في حضرة مواطن عادي وجد طوق نجاته في الميول إلى العزلة ومغازلة أفكاره دون اعتزال الناس. هي رحلة تدبر يقبل عليها من وقت لآخر كما هو الحال بالنسبة لجميع الناس مع اختلاف الهواجس والمخاوف والاهتمامات وفي مناسبات متباينة تنتقل بين الشرود وأحلام اليقظة أو مساحات التفكير الجدية خلال القراءة أو التدبر الإرادي.
أول سؤال تبادر للذهن: “هل تحب ذاتك؟”
“أظنني كذلك، أو بالأحرى أميل إلى الإيمان بذلك؟”
” وما أدراك أن يكون حبك لذاتك نرجسية، أو أنانية، أو تضخم الأنا لديك؟”
“هنا تكمن صعوبة السؤال الذي طرحته !”
أراد التوقف وتغيير موضوع الحديث، لكن عناده الفكري أبى وألح على الاستمرار في الغوص في نفس الموضوع.
“وكيف الفصل بين حب الذات والاندفاعات الغرائزية الثلاث؟”
“الأمر مركب ويستدعي الحذر واليقظة والخوض في عملية التفكيك.”
“بكل تأكيد.”
” ويظل الهدف هو الثبات على التوازن أو الوسطية.”
” بمعنى؟”
“الميل إلى حب الذات لكن مع عدم الوقوع في الأنانية، الميل إلى النقد الذاتي مع تجنب الانجراف نحو جلد الذات، لزم التواضع لكن مع الحذر من التحول إلى استصغار الذات، حضور الثقة في النفس بالقدر العقلاني المطلوب. هناك دائما خطر الانحدار نحو التشدد في الاتجاهين المتناقضين ولا سبيل غير التوازن الوسطي من أجل النجاة.”
” طرح جميل، ولكن كيف السبيل إلى تحققه وتمثله؟.”
“ربما بالإدراك المسبق لحمولة المفاهيم ثم الممارسة مع استدامة اليقظة. “
“نعم.”
توقف عن الهلوسة يارجل! غير أن إصرار الرجل لا يكل ولا يمل ويستمر على نفس الاختيار الفكري.
“ثمة من يظن أن الكرامة تختزل في عزة النفس، ولا أرى الأمر كذلك!”
“كيف ذلك؟”
” الكرامة منظومة تتحقق من خلال حضور واستقرار مجموعة من الركائز. كل فرد له الحق في الذود عن عزة النفس لكن بإدراك مسبق أن للناس نفس الحق، من هنا تتجلى آفات صلابة الرأي والعناد والانغلاق على الذات.”
” نعود إلى السؤال الذي طرحناه في بداية الحوار، سيدي.”
“كل ما ذكرناه يمثل عناصر الجواب.”
” أريد جوابا مباشرا حاسما.”
“وهل هناك من جواب حاسم لهذه العينة من الأسئلة؟”
” أفهم قصدك سيدي، غير أن التيهان في متابعة عناصر جوابكم أخذ مني مأخذه !”
“أجيبك بطريقة أخرى. نعم أحب ذاتي و أستميت من أجل الثبات على هذا الحب. ما أستطيع أن أقدمه من تجليات لهذا الطرح هو إصراري على الدفاع عن الذات ضد الأعداء والأخطار والتهديدات.”
” من هم أعداؤك؟”
“هم أعداء الداخل أكثر منه الخارج. أتحدث عن الأنا، الأوهام، نداء الغرائز البدائية، اللاشعور، اللوم الشديد، اليأس، و الخوف. كل ما ينحو بالذات نحو الانحراف أو الانسلاخ والضياع. أحاول المصالحة من وقت لآخر والتعرف عليها واستفزاز ملكاتها و فسح المجال لانطلاقها. في ذاتي ذوات تتناسل ثم تنضج وتتباعد يستعصي معها الإحاطة بهويتي فما بالك تملكها.”
تم نشر المقال على رأي اليوم 21 ماي 2026 أنقر