
جلس الفتى بجوار جده، الذي لطالما كان خير مستمعٍ وصديقٍ ومؤنس له. وجد في ذخيرة هذا الرجل الثمانيني ما كان يتمنى أن يجده في والديه. وقع اختيارهما على مقعدٍ في إحدى حدائق المدينة، حيث يستمتعان بلحظات صحبة بعضهما المميزة، يعبران ضمنيا جسر التواصل بين الأجيال. يساعد كلٌ منهما الآخر على فهم طريقة تفكير جيله و أترابه، يسحقان بلطف الهوة التي تحول دون التفاعل والتواصل بين الأجيال وتعمق التباين الذهني والنفسي بينهما . يمتزج الماضي والمستقبل بقوةٍ في ثنايا عمق اللحظة في تناغمٍ تام وانصهار خالص. على الرغم من فارق السن، يظل الصديقان مفعمان بالحيوية والنشاط، ولا يمنعهما عامل العمر من مشاركة بعض الصفات الإيجابية المشتركة، والانغماس في كيمياءٍ رائعة، وتطوير تواصلٍ سلسٍ وفعّال.
قال الجد:
تبدو لي قلقًا.
أجاب الفتى، المقبل على العقد الثالث من العمر، وهو يحدق في الأفق:
بالتأكيد ينبغي أن أكون قلقا، أليس كذلك؟
ابتسم الجد ابتسامة خفيفة، ثم تابع:
كان عليك بالأحرى أن تقول: ‘لا بد أن أكون’ بدلًا من ‘ينبغي أن أكون’.
في وضعي، كما هو حال جميع الشباب هذه الأيام، ينبغي أن أقلق. إذ في الخوالج يستقر الخوف من المجهول، وشغف الطموح الجامح، لا أستقر على وضع مُرضٍ ولا أطمئن له، وتبقى راحة البال بعيدة المنال.
أوافقك الرأي، تلك هي نعمة التمرد.
توقف الحفيد للحظات متأملا جواب الجد وتردد في التعقيب بتقديم سؤال آخر.
هل كانت أيامكم أفضل من هذه الأيام؟
ابتسم الجد بثقة وكأنه تفوق في قراءة أفكار حفيده وتوقع السؤال، وأجاب:
كل جيل يعتقد أن الجيل الذي يليه أوفر حظًا.
كيف ذلك؟
كل جيل يعمل ويكد ويجتهد ويمهد الطريق لحياة أفضل للجيل الذي يليه.
أجاب الجد بنبرة هادئة وحركات يسكنها الارتياح تجسد لسلطة حكمة تراكمت على مدى عقود من الزمن.
ربما العكس هو الصحيح؟
عادةً ما نركز على ما نرثه أكثر منه على ما نخلفه من تركة، ربما بسبب غرورنا و أنانيتنا و جحودنا الغير مقصود.
لديك دائمًا أساليبك الحكيمة في إيجاد الإجابات الشافية.
قال الفتى بإعجاب يسكن تقاسيم الوجه وخضوع نبرة الصوت.
أتمنى أن يكون الأمر كذلك!
أجاب الجد بسعادة وفخر مستسلما لقوة تدفق التلقائية وصعوبة تدبير الأحاسيس والعواطف.
هل الحياة قاسية دائمًا؟
أدار الجد وجهه نحو حفيده وحدق فيه بانزعاج:
لما هذا التشاؤم؟ أظنك خسرت المعركة واستسلمت!
مشكلتي تكمن في معرفة هوية المعركة الواجب خوضها!
ارتسمت على وجه الفتى حمرة خجل بعد اعترافه. بدا وكأنه يخجل من البوح ببعض ما يسكن خوالجه من هواجس ومخاوف.
أحسنت يا بني. النجاح يبدأ بمعرفة المعركة الصحيحة التي يجب خوضها.
تتحدث وكأنك فيلسوف! الحكمة تتدفق كالنهر المنهمر من بين شفتيك.
إنها لغة دروس إخفاقاتي الشخصية في الحياة. لقد دفعت ثمنًا باهظًا لأتعلمها.
هل عانيت كثيرًا؟
ربما أكثر مما تعانيه الآن!
أجاب الحكيم، تاركًا ابتسامة مشرقة على وجهه البشوش. ثم يرد الصبي وهو تحت وقع المفاجأة ويقول:
هل اجتاحك نفس شعور الحيرة واليأس وسلبت بصيرتك؟
بلا أدنى شك!
وكيف تغلبت على ذلك؟
على النهج الذي تتبعه الآن. أتحدث، أحاول أن أفهم، أحلل، أتأمل واستحكم إلى عقلي.
أنا أفرط في التفكير في كل شيء!
لا ينبغي ذلك. أنت تجهد نفسك وتهدر طاقتك.
أعلم ذلك، لكنني أعاني كثيرًا الآن، وأشعر بالضياع!
تنهد الجد برفق ورفع رأسه إلى السماء وكأنه يستجدي الثبات والعون من لونها الأزرق المريح، ثم نظر مجددًا إلى حفيده، وترك الحديث يجري بانسيابية.
من تجربتي، تعلمتُ ما يلي: ما تتوق إليه غالبًا ما يتعايش مع ما تكرهه، وجهان لعملة واحدة. الرؤية تنبعث من قلب الحيرة، والشفاء يأتي بعد المرض، والحكمة تولد بعد ارتكاب الأخطاء والعيش في الجهل. حتى الحب أحيانًا يولد من رحم الكراهية. لا يمكنك أن تتذوق طعم الأمل إذا لم تتذوق مرارة اليأس، والجانب الإيجابي دائمًا ما ينتصر ولو بعد حين.
ابتسم الشاب وقال:
أنت دائمًا تساعدني على استعادة توازني و ثقتي بنفسي.
أنا سعيد وفخور بهذا الإنجاز.
الأمر المدهش يا جدي هو أنك جدٌّ في الثمانين من عمرك، وتبدو أصغر من عمرك، كيف ذلك؟
فريضة التأمل، والحرص على التعامل مع كل شيء بإيجابية، وعدم التأثر بالكراهية أو الحسد، والسماح للحب بالتغلغل في جميع تفاصيل الحياة.
كان عليك أن تكتب سيرتك الذاتية يا جدي!
أنت تستمع الآن إلى كتابها الصوتي، وأنت أول من يقرأه.
لقد كسبتَ بالفعل امتناني الأبدي.
تم نشر المقال على رأي اليوم 18 يناير 2026 أنقر