أغنياء ويمارسون التسوّل
قصة قصيرة: كلنا في سراح مؤقت
July 29, 2026

قصة قصيرة: المناظرة

دُعيت سيدتان حكيمتان لمناظرة بُثّت مباشرةً على التلفزيون وحظيت بمتابعة مكثفة وتفاعل واسع من طرف المشاهدين في عدة دول حول العالم.

بدت السيدة الأولى صارمةً، متحكمة في مشاعرها، ومنغمسةً تمامًا في اللحظة، كانت حركاتها القليلة محسوبةً ودقيقةً، ترتدي اللونين الأحمر والأبيض، إسمها الشمولية. أما على الضفة الأخرى، جلست إمرأة أنيقة، تعلو وجهها ابتسامة، بدت لينة وودودة؛ ترتدي اللونين الأزرق والأبيض، اسمها الديمقراطية.

كان المذيع في غاية السعادة والحماس، استهلّ برنامجه بالتعبيرعن امتنانه العميق للسيدتين، وشكرهما على الوقت الثمين الذي خصصتاه لجمهوره، ثم قال: “كما يعلم جمهورنا الكريم، فقد دعونا ضيفتينا الكريمتين لتوضيح العديد من النقاط وشرح الأسباب الحقيقية وراء سوء الفهم بينهما، وللتأسيس لمنظور جديد من أجل مصالحة مستدامة. وكما اتفقنا، لا داعي لاستخدام لغة الخشب أو الشخصنة. نتطلع حقا إلى حوار مثمر وبنّاء لتنوير الناس وتمهيد الطريق للسلام والوئام. أولًا، ما الحاجة إلى صراع أبديّ جعل البشرية تُهدر مواردها البشرية والمادية؟”

استهلت الشمولية تدخلها بما يلي:

“لا بد لي من لفت انتباهكم إلى فوضى المفاهيم التي نعيشها اليوم؛ في الواقع، يبدو الحديث عن الحاجة إلى الصراع غير مناسب وغير لائق تماما، إذ أن الصراع نشأ عن سلسلة الهجمات المتواصلة التي استهدفتني. لقد دافعتُ عن نفسي من أجل البقاء وإنقاذ العالم.”

ظلت نبرة صوت الشمولية منتظمة وهادئة طوال مدة تدخلها في انسجام تام مع ملامح وجهها ووضعية جسدها المستقرة بثبات يحيل على الثقة في النفس والقوة التي تسكن دواخلها.

حافظت الديمقراطية على هدوئها واكتفت بابتسامة كردة فعل لما قالته مناظرتها. ثم علّقت قائلةً:

“بدأت محاورتي حديثها باتهامٍ ظالم، ولن يؤدي هذا الأسلوب إلى نتيجة إيجابية. علاوة على ذلك، فقد وصفت نفسها بأنها المدافعة الوحيدة عن الإنسان وحقوقه. من هنا يمكنني القول أن أسلوبها يميل إلى الإقصاء والاختزال، وهو أمر غير مقبول.”

تدخلت السيدة الشمولية بالتعليق:

“هذه بروباغندا مضللة.”

“حسنًا، التمس من الجميع التزام الصراحة والحديث البناء.” نظر المذيع إلى الديمقراطية بلباقة ومهنية وقال:

“هل ترغبين في توضيح المزيد؟”

“أدرك جيدا أن الاختلاف بناء وأقدس التعددية والتداول. أؤمن بالمنافسة والتنافسية وليس الصراع.”

“جميل. سيدتي الشمولية هل من تعقيب؟”

«تحدثتم عن صراع، وأنا أنفي مسؤوليتي عن وقوعه أو حتى الخوض فيه. في الواقع، إن عقيدتي تُربك وتزعج جشع وطموح الهيمنة لدى عقيدة من يناظرني، ولا شك أنها تُقابل بالرفض والعداء والكراهية.”

“سيدتي الديمقراطية، تفضلي:”

“أولًا، أرفض أي مسؤولية عن هذا الصراع البشع الذي يُهدد مستقبل كوكبنا. ثانيًا، أؤمن بالحوار وأقبل الاختلاف. أفتخر بأن أقول إن طموحاتي قد ساهمت في بناء عالم أجمل وأكثر تنوعًا، وفتحت آفاقًا جديدة للبشر. إن استمرارية الحياة تقوم على قانون التنوع البيولوجي، وعقيدتي تلتزم بهذا القانون المقدس.”

توجه المذيع نحو الشمولية بالسؤال التالي: “الكثير يقولون إنكِ متسلطة ومتعجرفة، وأن القمع هو جوهر فلسفتكِ في الحكم، بماذا يمكنك الرد عليهم ؟”

“ما قلتِ للتو لا معنى له، إنه نوع من الشعبوية لصرف انتباه الناس عن جوهر فلسفتي، وهي أعمق وأكثر تماسكًا. لقد أثبتت جدواها وفعاليتها، وهي تلبي تعطش الجماهير للإنصاف والعدالة. في تصورات وممارسة تجربة الحكم الشمولي تصان المسؤولية وهوية من يتحملها معروفة لدى الجميع ويمكن تطبيق مبدأ المساءلة والمحاسبة بسهولة وفعالية. لا تضيع مصالح الناس بين أروقة العبث والديماغوجية. لقد ضمنتُ حياة كريمة للناس، وتعليمًا جيدًا، ومناصب شغل للجميع ونظام رعاية صحية قويًا. هذه الإنجازات تُثير الحسد والكراهية لدى من يحملون نوايا خبيثة و يتوقون إلى إخضاع الناس.”

“شكرًا لكِ سيدتي” ثم التفت الرجل إلى الديمقراطية وقال:

“يرى العديد من المحللين أن هدفكِ هو تعميق التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية بين الناس، وخدمة الأثرياء الذين يسنّون القوانين.”

“أؤكد لكم أن هذا التفسير سطحي للغاية، ويهدف إلى منع الناس من الغوص في عمق فلسفتي وفهم أسسها الحقيقية. أنا أدافع عن القيم النبيلة وحقوق الإنسان. لقد ناضلت من أجل تحسين الأداء الاقتصادي، وترسيخ الحرية، وتشجيع المبادرة الفردية. أستوعب الطموح الفردي وأوجهه لخدمة الصالح العام. لا شك أن حياتي شهدت العديد من الانحرافات والإخفاقات، ولا تزال هناك العديد من العيوب التي يجب التغلب عليها، ولكني في الوقت نفسه نضجت واكتسبت حكمة، والأفضل لم يأتِ بعد.”

“سيدتي الشمولية، هل من إضافة؟”

“أود أن أقول أنه عندما تشيع الفوضى وتفتقد الحلول ويغدو الكذب بينا، يلجأ الجميع إلى حكمتي و مصداقيتي وإصراري على الحق والشفافية.”

تم نشر المقال على رأي اليوم 02 أبريل 2026 أنقر

Comments are closed.