
لطالما اعتقدت أن الهجر شفاء وعلاج وصون لكرامة الذات وهجر لمباعث القلق والضغينة والتشنج والصدام. غير أن حالتي لم تتجاوب مع هذه المقاربة ولم تنصهر في لب أبعادها حيث اتخذت حياتي مجرى آخر وتغيرت رأسا على عقب.
حقيقة، اخترت الهجر سبيلا نحو إبراز الذات وصون كرامة وجودها وعنفوان حضورها، فلم يكن إلا هجرا للذات التي انسلخت عن كينونتها و تضعضعت هويتها وتلاعبت بها رياح النزوات والأهواء. لم أكن أدري أن ما أهجره هو كياني و كنه وجودي وحقيقة حضوري، إذ تملكني كبرياء النفس الأجوف وأنانية اللحظة و تضخم وهم الوجود المادي. لم أعي حقيقة ما أهجر ولا قدسية قيم ما أترك، اقتادني جحود مظلم نحو نفق وحشة الظلمة و جهالة المجهول.
أعترف، اعتراف المذنب التائب التواق إلى التكفير عن كبيرة الهجر، أنه في موقفي تمثل الغباء البشري في أبشع تمثلاته والاندفاع الغرائزي متحديا، بكل وقاحة، قوانين الطبيعة والتاريخ ووقار الأعراف، حتى انقادت الذات إلى تقييد وجودها و تقزيمه وتغييب حضورها بهجر ما لا يهجر ولا يترك والانجذاب الطوعي إلى نداء وإغراء نعرات ورغبات الذات المهلكة. غاب النضج وافتقدت الحكمة والتريث والتبصر وانتصرت سلطة الآني العابر.
تكبرت على المساءلة والمحاسبة وتملكني جبروت امتلاك الحقيقة، فقفزت عن الواقع وواجهت قتامته بالهروب وإبداء الجبن وتفادي صدام المواجهة إلى أن اكتشفت أن صدام المواجهة أرحم من مرارة الضياع مع شرذمة لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ في غيابات جب التردد والحيرة.
بعد الهجر، ومع تبخر الأوهام وابتعاد نقاط الارتكاز وارتسام ملامح الحقيقة، أحسست بالاغتراب واستبدت الوحشة بالذات ولازمها خجل التعبير عن الأسى والندم و فقدت الذات الارتقاء والنمو ووقعت في أسر معرات التراجع والانكماش المزمن، وأدركت أن ما هجرته هو مغزى و ماهية وجودها.
أجد هجري في هجر الحبيب، الصديق، الهوية، الكرامة، الجميل من القيم و فضائل الأخلاق، والانتماء …ياليتني هجرت الهجر، كيف لا والهجر تحول إلى فقد، فهل من رجوع؟
تم نشر المقال على رأي اليوم 30 أبريل 2026 أنقر