
ارتأت الزوجة الاسترخاء على الأريكة منغمسة في تصفح إحدى المجلات لعلها تظفر بشيء يستحق القراءة والاهتمام. استقر زوجها في الجهة المقابلة مستثمرا وقته في الإبحار في الشبكة العنكبوتية عبر هاتفه النقال. توقف للحظة، ونظر إلى شريكة الحياة بحنان ورفق والابتسامة تطفو على محياه وكأنه ينظر إلى طفل صغير يتشرب من حركاته البريئة والمنبعثة من صفاء الروح ونقاء السريرة.
قال بنبرة هادئة:
‘أحبكِ’
نظرت إليه باستغراب يميل إلى الاستنكار والازدراء في تعبير ضمني عن الحيرة بين جدية ما يردده أو ميوله نحو الاستفزاز كما هي عادته من وقت لآخر.
قالت بهدوء وكأنها تشرع في الخوض في مفاوضات مع أحد الخصوم:
‘معظم الناس يرددون هذه الكلمة الجميلة، غير أنهم لا يدركون معناها بتاتا.’
استفزته، فأحس و كأنها تستهزئ به أو تزدري مداركه المعرفية. تغيرت ملامح وجهه بسرعة في انعكاس واضح لارتفاع تدفق صبيب الغضب وأخذه بزمام إعادة رسم خريطة الملامح. قال:
‘ماذا تقصدين؟ هل أنا كاذب؟’
‘أقصد أننا عادةً ما نردد أشياءً دون أن نعي معناها!’ أجابت بهدوء يليق بمقام المحاور الرزين والحكيم.
أردف قائلا:
‘أحبكِ. وأعي جيدا حقيقة ما أقول.’
ارتسمت ابتسامة خفيفة على ملامح وجهها وقالت بهدوء في نبرة صوتية تنسجم مع نعومة أنوثتها.
قالت:
‘ومن يملك الحقيقة ياعزيزي حتى تستقر عندك؟’
‘أنت تبتعدين عن الموضوع.’
‘لا عليك. اشرح لي جيدا ما تريد قوله!’
‘لا أحب طريقة الاستصغار في التحدث معي.’
‘أبدا عزيزي. تفضل، كلنا آذان صاغية.’
نظر إليها بحدة وكأنه يعبر ضمنيا عن رفضه طريقتها في التحاور، ثم قال:
‘أعني أنك حاضرة في ذهني على الدوام، استوطنت عقلي وروحي. شيء ما حدث خارج عن إرادتي.’
‘أوه، ألهذا الحد؟ هل هو تنويم مغناطيسي أم سحر يؤثر؟ حكايات وروايات كالعادة.’
‘أوووه، كيف السبيل إلى إقناعك؟’
‘لست مطالبا بإقناعي، بل فقط بمشاركة ما تفهمه من معنى الكلمة. أخبرني شيئًا من عندك، لا ما يردده الآخرون بغباوة.’
‘هل هو تحدي أم استفزاز؟’
‘ربما، لكنني أراك تفتقد لما يمكنك تقديمه من تأويل شخصي لمعنى الكلمة.’
‘حسنًا. عندما أقول “أحبك” فإنني أعبر عن اهتمامي المفرط لأمرك وإدماني على حضورك وعدم إمكانية العيش بدونك.’
تحدث بنبرة يغلب عليها التردد وكأنه غير مقتنع بما يقول رغم محاولته ضخ الحرارة العفوية في تدفق كلماته.
‘ما قلته غير مثير للاهتمام، يا عزيزي’ قالت ببساطة.
‘أنتِ شديدة التدقيق، يا عزيزتي. لماذا تبحثين دائمًا عن الخوض في الجدال؟’
‘نحن في نقاش وليس خصام. هناك فرق كبير.’
‘إذن ما معنى ‘أحبك؟ تفضلي أيتها الفيلسوفة، منك نتعلم؟’
‘لم تصدر الكلمة عني حتى يطلب مني أن مشاركة المعنى. أنا فقط أردد ما أعنيه.’
توتر الرجل وقال:
‘هل تقصدين أنكِ لا تحبينني؟’
أجابت بسخرية:
‘هذا موضوع آخر!’
استمر منسوب التوتر عند الرجل في الارتفاع وقال:
‘هل تزوجت الفلسفة و أرق التفكير؟’
‘من يدري؟ إذا كان الأمر كذلك فقد أوتيت الخير كله.
على أي حال، تعلم أن تقول ما تعنيه!’
بهت الرجل و آثر التوقف عن الحديث والعودة إلى متاهة الأنترنيت، فهي أرحم
تم نشر المقال على رأي اليوم 22 أبريل 2026 أنقر