قصة قصيرة: المناظرة
August 3, 2026

قصة قصيرة: الأسر الجميل

رأتها العين في لمحة من قبس من نور تحولت إلى قدر محتوم، ارتجت له الذات و ترسخ في الذهن وسكن الحواس والوجدان في رحلة غزو ناعم وسلس تتمناه الأنفس و تتوق إليه. لكنها غابت واختفت واستفزت روح الشوق وذخائر الترقب والانتظار.

صار غيابها حضورا متحركا استبد بأعماق الجوارح والخيال واستعبد انجذاب الذات طواعية وسلبها حرية الاختيار . ما أجمل الأسر في رحاب عوالم الجمال و ألق برق بهائه الذي يخطف الأبصار ويعصف بالقلوب ويوقظ الضمائر ويهذب الذوق والإحساس. لا أستطيع التحكم في جوارحي ومشاعري، اختطفها جبروت جمالها المتفرد المتأصل المتعجرف من نهر تواضعها المتدفق. ما أروع لقاء الصدفة التي تقرره المقادير خارج سراديب الحسابات والتكهنات والتحضيرات.

لا أعرف هويتها وأجهل حتى اسمها أو أي خبر عنها، غير أن اللمحة رسمت شكلها ونسجت حقيقة وجودها وسافرت بالأسير في أعماق قوة نظراتها وشذى ألحان نسماتها وأغدقت عليه بغزارة تدفق الإبداع والغوص في أعماق الخيال وعذوبة جيشان الأحاسيس.

إنها الواقع الذي أنشده ويطلبه الكثير ممن تعلقت أفئدتهم بمفقودة وجدوها في الواقع وأوجدوها في خيالهم وظلت رحلة البحث موصولة ودون انقطاع. حقا، أتحدث عن واقع وليس خيال أو توهم أو هذيان! حقا، لا أريده وهما أو سرابا، بل سأجعله واقعا معيشا يتحدى منطق الحسابات وواقعية الأحداث.

إذا كان أمر افتقادها مريرا فكيف للمرء أن يتخيل فكرة فقدانها؟ سيلغى وجوده وتضمحل هويته وتعلو سلطة الوهم والسراب والضياع. ستفقد المعاني مضامينها والحياة كينونة استمراريتها. أحب أن أعيش خفايا غيابها وأعيش معها سبر أغوار سبل عيش لا يخلو من جمال الحضور والوجود والتألق.

لم يكن اللقاء حدثا عابرا ، بل كان قدرا وثق استمرارية حضور استقر في الخوالج منذ زمن سحيق وتضخم مع مرور الأيام وتقدم العمر،غير أنه حضور قوي لا يشيخ ولا يخضع لقوانين الطبيعة، حضور أثقل اللاشعور وأرهق صبر الانتظار وقوة تحمل الوجدان حتى استسلمت له جميع الحواس وانساقت لسلطته، حضور يعلو ولا يعلى عليه.

أريدها، أتمناها، أعبدها ولن أحيى دونها. أقبلي سيدتي ولا تدبري، فجمال القدر يرجو قدومك وإشراقة يومي تظل رهينة انبعاثك وملائكتي تدعو من أجلك. لن ينال مني اليأس ولن أتخلى عن وصال التودد و الانتماء والانصهار والخلود.

تم نشر المقال على رأي اليوم 10 أبريل 2026 أنقر

Comments are closed.