WHY WE DON’T SEE THE WORLD AS IT IS?
October 1, 2026

قصة قصيرة: اللقاء المؤجل

وقع اختيار اﻟﺳﯾد ﻣﮭدي ﻋﻠﻰ ﻣقعد خشبي ﻓﻲ الحديقة اﻟﻌﻣوﻣﯾﺔ القريبة من بيته. ﻛﺎن اﻟﻣﻛﺎن ﺧﺎﻟﯾﺎ ﻣن اﻟﻧﺎس، ﻣﺗﺣررا ﻣن صخب وﺿﺟﯾﺞ اﻷطﻔﺎل وﺣرﻛﺔ من يسطو ﻋﻠيه خلال ﻋطﻠﺔ ﻧﮭﺎﯾﺔ اﻷﺳﺑوع. ﺻﺑﺎح يوم الإثنين، ﯾﻛون اﻷﻣر ﻣﺧﺗﻠﻔﺎ وﺗﺣظﻰ اﻟﺣدﯾقة ﺑﻘﺳط ﻣن اﻟراﺣﺔ واﻟﺧﻠوة واﻟﺳﻛﯾﻧﺔ اﻟﺗﻲ ﺗهديها ﺑدورھﺎ لكل ﻣن ﯾرﺗﺎد ﻓﺳﯾﺢ ﻣﻛﺎﻧﮭﺎ وﯾﺳﺗﺟدي نعم ﻣﺎ ﺗﻐدق عليه من ﺳﻛﯾﻧﺔ روﺣﯾﺔ واﺳﺗﺷﻌﺎر ﺣﺳﻲ ﻟﻠطﺑﯾﻌﺔ.

ﺟﻠس اﻟرﺟل ﻓﻲ اﺳﺗراﺣﺔ بعد ﻣﺳﺎر طوﯾل داخل اﻟوظﯾﻔﺔ العمومية أﺧذ منه اﻟﻛﺛﯾر واﺳﺗﻧزف طﺎقته وأﺛﻘل ذهنه ﺑزخم ﻣن اﻟذﻛرﯾﺎت يتطاير الأﺟﻣل ﻣﻧﮭﺎ ﺑﻣﺟرد ﺗذﻛر ﻟﮭﯾب اﻟروﺗﯾن واﻟﻣﻌﺎﻧﺎة ﻣﻊ زﻣﻼء اﻟﻌﻣل ودسائس وھواﺟس ﺻﻐار اﻟﻌﻘول ﻣﻧﮭم. ﺟﻠس اﻟرﺟل ﻓﻲ ﺣﻠﻘﺔ ﻣن ﺣﻠﻘﺎت اﻟﺗدﺑر و اﻟﺗﻔﻛر واﻹﻋداد ﻟﻣﺎ ھو ﻗﺎدم. فاﻟرﺟل اﻟﺑﺎﻟﻎ ﻣن اﻟﻌﻣر اﻟﺧﺎﻣﺳﺔ واﻟﺳﺗﯾن ﻻﯾﺣب ﻓﻛرة الارتكان إﻟﻰ اﻻﺳﺗﻘﺎﻟﺔ ﻣن اﻟﺣرﻛﺔ واﻟﻧﺷﺎط واﻻﻧﺗﺎﺟﯾﺔ، ﯾﻘدس اﻟﻌﻣل وفي ثناياه ﯾﺟد ﻣﺎھﯾﺔ وﺟوده وﺗمثل ذاته وﺣﺿوره، ﯾﺣب اﻟﺗﻣرد ﻋﻠﻰ ﺛﻘﺎﻓﺔ ﯾﺳودھﺎ اﻹﻗﺑﺎل ﻋﻠﻰ اﻟﻣوت ﺑﻌد اﻟﺗﻘﺎﻋد واﺧﺗزال اﻟراﺣﺔ ﻓﻲ ﻋدم ﻣﻣﺎرﺳﺔ أي ﻧﺷﺎط. ﻋﻠﻰ الأقل السيد مهدي ﯾﺟد نفسه ﻣﺣظوظا إذ ﯾﺳﺗﻣﺗﻊ ﺑﻣﻌﺎش ﯾكفيه لسد ﺣﺎﺟياته اﻟرﺋﯾﺳﯾﺔ، ﺑﯾﻧﻣﺎ تئن اﻟﻐﺎﻟﺑﯾﺔ ﻣن أترابه ﺗﺣت وطﺄة اﻟﺣﺎﺟﺔ وﻣﻌرة اﻟﻣﻌﺎش اﻟزھيد اﻟذي ﯾﻧﺎل ﻣن ﻛراﻣﺔ اﻟﻣواطن وﯾضعه أمام لهيب الشعور بالجحود لما قدمه ﻟﻠوطن ﻣن ﺧدﻣﺎت طﯾﻠﺔ ﻣﺳﯾرة ﻣزاولته المهنة، ﯾﻌﻲ ﺟﯾدا ذلك ويشكر الله على تلك النعمة.

رﻏم ﺳﻧوات اﻟﻌﻣل واﻟﻛﻔﺎح ظل وﺟهه ﺑﺷوﺷﺎ ﻟم ﺗﻧل ﻣنه اﻟﻣﻌﺎﻧﺎة إﻻ اﻟﻘﻠﯾل ﺣﯾث ظل ﻟﻌدة ﻋﻘود ﻓﻲ ﺣﻣﺎﯾﺔ ﺻﻔﺎئه اﻟذھﻧﻲ وﻧﻘﺎء سريرته وحبه للآﺧرﯾن، ظل وجهه ﻣﺷرﻗﺎ ﺑﻧور اﻟود واﻟﺗﻔﺎؤل واﻟصراحة ﺑﻌﯾدا ﻋن ظﻠﻣﺔ اﻟﺗﮭﺟم واﻟﺣﻘد والتصنع واﻟﻛراھﯾﺔ. ﺻﻧﻊ لنفسه ﻧﺳﻘﺎ ﺣﯾﺎ ﺧﺎرج ﻋﻣﺎ ھو ﻣﻌﮭود وﺷﺎﺋﻊ، وسلم اﻟﻧﺳق وسلم اﻟرﺟل.

ﺑﯾﻧﻣﺎ كانت اﻷﻓﻛﺎر تسبح وﺗﺗداﻓﻊ ﻓﻲ ذھن اﻟرﺟل وهو ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺷرود ﻋﻣﺎ ﯾﺣدث ﻓﻲ اﻟحديقة، اﻗﺗرب منه رﺟل آﺧر ﯾﻧظر إﻟيه ﺑﺗﻣﻌن وﯾﺗفحص ملامحه ﺑﺷدة. أﺛﺎر دنو اﻟرﺟل اﻧﺗﺑﺎه اﻟﺳﯾد ﻣﮭدي اﻟذي رﻛز بدوره نظراته ﻋﻠﻰ وجه اﻟﻘﺎدم. اﺧﺗﻔت اﻷﻓﻛﺎر ﺑﺳرﻋﺔ ﻣن ذهنه وأﺧذت ﻣﻛﺎﻧﮭﺎ محاولة ﺗذﻛر هوية اﻟﻣﻼﻣﺢ اﻟﺗﻲ ﺗﻘﺗرب منه. إنه ﯾﻌرف اﻟرﺟل، اﻟصورة تتشكل في ذهنه بالتدريج وﺗﻛﺗﻣل. إنه ﺻدﯾق ﻗدﯾم، ﻧﻌم إنه ھو: اﻟﺳﯾد ﻋﻼء.

بادر الرجل السيد مهدي وقال:

ﻣﺎأﺟﻣل ھذا اﻟﺻﺑﺎح ﺳﯾد ﻣﮭدي، ﻣﺎ ھذا اﻟﺣظ اﻟﺟﻣﯾل!

ابتسم السيد مهدي بلباقة وهدوء أقرب إلى البرود، ورد:

أھﻼ ﺑﺎﻟﺳﯾد ﻋﻼء.

ﺑل ﺻدﯾﻘك ﻋﻼء أﯾﮭﺎ اﻟرﺟل. لاداعي للرسميات!

سحب السيد مهدي نظراته بعيدا وقال:

بل دواعي اللياقة، سيدي. ألم تكن الرسميات نمطَ عيشك في الماضي.

نعم، لكنها سقطت بعد التقاعد. تلك فترة قد خلت. نحن رجال اليوم وأصدقاءٌ قبل كل شيء.

ﺻداﻗﺗﻧﺎ أﺻﺎﺑﮭﺎ اﻟﺟﻣود ﻣﻧذ زﻣن ﺳﺣﯾق ﯾﺎ ﺳﯾد علاء.

إنها اﻟﺣﯾﺎة وﻣﺷﺎﻏﻠﮭﺎ وھﻣوﻣﮭﺎ اﻟﺗﻲ ﻻ ﺗﻧﺗﮭﻲ، ﻟﻛﻧك ﺻدﯾق ﻋزﯾز وﻣﻣﯾز.

ﺷﻛرا ﺟزﯾﻼ ﻋﻠﻰ هذا اﻟﺷﻌور اﻟﻧﺑﯾل.

رد اﻟﺳﯾد ﻣﮭدي ﺑﺎﺑﺗﺳﺎمة ﺗنحو نحو اﻟﺳﺧرﯾﺔ.

ﻛﯾف ھﻲ أﺣواﻟك اﻵن؟

ﺑﺧﯾر.

أﻋﻧﻲ ھل أﻧت ﻣﺗﻘﺎﻋد مثلي؟

ﻧﻌم. وﻛﯾف ﺗﻘﺿﻲ وﻗﺗك؟

فيما يرضي الله.

أﻗﺻد، أﻻ ﺗﻠﺗﻘﻲ ﺑﺎﻷﺻدﻗﺎء اﻟﻘداﻣﻰ؟

ﺑﻛل ﺗﺄﻛﯾد. هم أصدقاء العمر: الماضي والحاضر والمستقبل.

جميل، ﺧﺻوﺻﺎ وأنه ﻟدﯾك اﻵن اﻟوﻗت الفارغ لفعل ذلك و بكل حرية.

لدي العديد من الأولويات وأصدقائي في قمة سلم الأولويات.

أرﯾد أن اﻧﺿم إليكم وأﻗﺿﻲ ﺑﻌض اﻟوﻗت ﻣﻌﻛم. ﺗﻌرف ﺟﯾدا حالة اﻟﺗﻘﺎﻋد واﻟوﺣدة.

أﻓﮭم ذﻟك ﺟﯾدا.

ﻧﺣن أﺻدﻗﺎء وﻋﻠﯾﻧﺎ إﺣﯾﺎء ﻟﺣظﺎت اﻟزﻣن اﻟﺟﻣﯾل.

تغيرت نبرة صوت السيد مهدي جراء بعض رواسب المرارة التي خبت مع الزمن وقال:

ﻛﻧﺎ أﺻدﻗﺎء ﻓﻲ ﻣرﺣﻠﺔ ﻣﺎ ﺛم ﺗوﻗﻔت رﺣﻠﺔ اﻟﺻداﻗﺔ.

اﻟﺻداقة ﻻ ﺗﻧﻘطﻊ، داﺋﻣﺎ ﻓﻲ وﺻﺎل واتصال.

ﺑل اﻧﻘطﻌت و ﺗﺑﺧرت.

رد السيد علاء بصوت مشروخ:

لماذا ھذا الكلامُ اﻟﻘﺎﺳﻲ؟

إﻧﮭﺎ اﻟﺣﻘﯾﻘﺔ! أﻧت ﻣن أﺧذ ﻗرار اﻟﻘطيعة ﻣﻊ اﻟﻣﺎﺿﻲ وأوغل في الهجر.

استسلمت ملامح السيد علاء ونظراته للارتباك وقال:

كنت مشغولاً جداً، ولم أجد الوقت الكافي للقاء الأصدقاء.

ﺑل ﻛﺎن ﻟدﯾك وﻗﺗ ﻟﻠﻘﺎء أﺻدﻗﺎء آﺧرﯾن، أﺻدﻗﺎء ﻣن ﻧﻔس اﻟﻣﻘﺎم اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﻲ واﻟﻣﻌرﻓﻲ واﻟﻣﺎدي واﻷﻛﺎدﯾﻣﻲ.

ﻻ أﻓﮭم ﻣﺎذا ﺗﻘﺻد!

ﻋﻧدﻣا حصلت على الترقية في العمل وكان همك الأوحد هو ربط علاقات مع أشخاص من مراتب عليا ومصالح مختلفة وتخليت عن البقية. بالنسبة لي كانت الصداقة قضية وقيمة، أما بالنسبة لك كانت قضيتك هي النفعية والامتيازات.

غير صحيح!

بل الصحيح بعينه، وقد صارحتك بذلك في الحين.

تذبذبت ملامح السيد علاء بين الخجل والخيبة والأسى والضياع.

نعتبرها هفوة خارج الإدراك، نتجاوزها ونبدأ صفحة جديدة.

لست أنا من قام بطي الصفحة القديمة حتى يطلب مني البدء في صفحة جديدة. ومع ذلك أقول لك: ليس لي سلطان على الأصدقاء ولك الحق في التحدث إليهم وأخذ رأيهم.

تم نشر المقال على رأي اليوم 23 وغشت 2026 أنقر

Comments are closed.