
على مقعد في قلب حديقة عامة حيث تسمو سلطة اللون الأخضر وتتناغم مع الهدوء وصفاء الجو، جلس شاب في بداية العقد الثالث من عمره بالقرب من خطيبته، وكانا يستعدان للزواج في الأشهر القليلة المقبلة في شغف التطلع إلى إرساء أسس مشروعهما الوجداني. سألت الفتاة شريكها المستقبلي:
“حتى الآن لا أستطيع فهمك، حقا لا أستطيع كشف هويتك الحقيقية، تبدو لي أحيانا غامضًا وتعصف بكل ما أعتقد أعرفه عنك، من أنت؟”
“وكيف السبيل الى الإجابة، وددت لو أستطيع تقديم ولو الجزء اليسير منها.”
مبديا الاستسلام والعجز مما استفز الخطيبة وأردفت قائلة: ارتسمت الابتسامة على وجهه
“هل أنت مجنون؟ أتسخر مني؟” قالت بدهشة تكتنفها البراءة وحس الطفولة.”
“لا، قطعا لا. أنا عاقل وأدرك ماهية ما أقول.”
“توقف عن المزاح، رجاء.”
ظلت تنظر إليه وهو يبادلها النظرات بثبات كما لو كان غافلًا عما يسيطر عليها من حيرة.
“أنا في رحلة اكتشاف الذات، وربما لن أصل إلى إجابة. هل يمكنكِ إخباري من أنتِ؟”
“بالتأكيد. أنا في السادسة والعشرين من العمر، أعمل محاسبة، لم أتزوج قط، طموحة وجادة. الأمر سهل، أليس كذلك؟”
“لم تُعرّفي بنفسكِ، العمر حقيقة بيولوجية، الوظيفة نشاط تقومين به لكسب العيشِ ولكنه لا يُحدد هويتكِ أبدًا، وحالتكِ الاجتماعية هي خيار، وقد قدمتِ ميزتين جميلتين يجب أن تفخري بهما إن كانتا حقا صحيحتين كما تعتقدين.”
“إن كانتا صحيحتين! أعرف نفسي جيدًا. لست في حيرة من أمري مثلك. “
“تظنين ذلك، لكن الحقيقة قد تكون مختلفة.”
“لماذا تُميل دائمًا الى تعقيد الأمور؟”
“لا أفعل. أنا فقط ألوذ بك إلى رؤية و مواجهة الأمور بشكل مختلف.”
“لماذا أفعل ذلك؟”
“لتكوني على سجيتك!”
“ألست كذلك؟”
“ربما لست كذلك. نحن مجرد بشر لم يحاولوا قط العثور على المهمة التي خُلقوا من أجلها.”
“أفهم قصدك، لستُ بغبية. لكن ألا تعتقد أنك تتحدث عن اليوتوبيا، عن شيء لن يحدث أبدًا؟”
“أنا أتحدث عن الحقيقة التي يجب أن نبحث عنها.”
“هل وجدت حقيقتك؟”
“لا، لم أجدها. أنا أحاول، وقد انطلقتُ بالفعل في رحلة اكتشاف الذات. لكنني أعرف حقيقة واحدة!”
“أية حقيقة؟”
“أحبك! بدت في بداية الأمر وكأنها يوتوبيا، لكنها تحولت إلى حقيقة.”
تم نشر المقال على رأي اليوم 09 شتنبر 2025 أنقر