قصة قصيرة.. الحقيقة
April 29, 2026

قصة قصيرة.. نقاء الحب وقدسية الوجود

استسلمت السماء لسلطة اللون الأزرق وأهدت هالة من الجمال إلى العالم السفلي المتفاعل مع تغيراتها والخاضع لجبروت مزاجها المتقلب و كرم تدفق عطاياها اللامتناهي.

على شرفة بيته، جلس السيد عصام على كرسيه المريح، يتأمل الفضاء الذي يستطيع البصر حصره دون تركيز على شيء محدد. يتأمل أبعاد المشهد المتاح من اليمين إلى اليسار ومن الأعلى إلى الأسفل لعله يظفر بشيء جميل يكون فاتحة خير ليومه الاعتيادي. هي لحظات لم يهنأ بالاستمتاع بها في الماضي بحكم الالتزامات المهنية والعائلية، لكن بعد التقاعد تغير الوضع وتخلص من بعض ضغوطات الحياة وانكب على بناء بعض العادات الصحية من خلال تصور بناه قبل الاستسلام إلى قانون التقاعد.

بينما الرجل في شرود واستسلام لسلطة التدبر، فإذا بطائر يرفرف قرب الشرفة مترددا بين خيار مغادرة المكان وخيار التوقف في محطة الشرفة. ظل السيد عصام يراقبه دون إصدار أية حركة تجنبا ترويعه، فإذا بالطائر يتوقف على حافة الشرفة مع بعض الحركات الطفيفة وكأنه يكتشف المكان ويقيس درجة الأمان فيه. ارتسمت ابتسامة على وجه الرجل ووجه كل اهتمامه إلى الطائر، متناسيا كل ما يجري حوله في محيطه القريب. تحول التناسي سريعا إلى لامبالاة ثم انسحاب وانتقال من عالم واقعي محدود إلى عالم أوسع وأرحب و أجمل. كان الطائر من نوع اليمام المطوق، لم يستطع السيد عصام تحديد لون جسمه جيدا لعدم توقف حركة الطائر، لكنه لاحظ وجود اللون الأسود والأبيض والرمادي الفاتح والبرتقالي. أسر الرجل في ملكوت الجمال المبهر المجسد في روعة تناسق الألوان وكيفية توزيعها على جسم الطائر الوديع. لو توقف الطائر عن الحركة لميز أكثر حقيقة اللوحة الفنية التي حطت فجأة أمامه.

في ثنايا هذا السفر، تملك الرجل بعض التوق إلى امتلاك بعض الطعام يمكن تقديمه للضيف، لكن الزيارة كانت غير متوقعة ودون سابق إنذار. ربما عليه الاستعداد مستقبلا من أجل النهوض بواجب الضيافة. استمر المشهد لما يقارب الدقيقتين وانتهى بقرار الطائر مغادرة المكان تاركا الرجل مشلول الحركة نشيط الذهن متحرك العواطف. استمر في التدبر والتفكر واستفزته حرية الطائر في اتخاذ القرار والتصرف. في صباح اليوم الموالي، استقر الرجل في نفس المكان منتظرا، راجيا زيارة الطائر وما يمكن أن تحمله من بركات الطمأنينة وانسيابية البساطة والجمال الطبيعي الصرف. ظل معتكفا في مكانه يراقب عن قرب ما يجري حوله، وكأنه الطفل الذي يترقب هدية ما، ربما تلمح عيناه الطائر في مكان قريب. ألح زائر الأمس على عدم الظهور وكأنه يتعمد استفزاز صاحب الضيافة والترفع عن زيارته و الانسياق وراء كبريائه. في محاولة الهروب من قسوة الانتظار والترقب هم الرجل بالاعتناء ببعض المزهريات و ما تستضيفه من نباتات، وأزهار استأثرت بتركيزه و كامل اهتمامه مسافرا في رحاب أوسع من الخيال والجمال رغم محدودية حدود الشرفة. كل نبتة تحيل على قصة وجود نوعية وجمال متفرد، لكن تجتمع مع البقية حول ماهية حب الحياة وطموح النمو و قابلية التأقلم والتكيف.

في لحظة غير متوقعة من زمن الانتظار والترقب، ظهر الزائر بلطف واستحياء واستقر برشاقة فوق حافة الشرفة. أصاب الرجل الجمود من الوقع الثقيل عقب ظهور الطائر الخفيف ولم يبادر بحركة مخافة إرسال الهلع إلى لطف الحضور. انتظر بعض الثواني وأخذ صحن حبات الذرة والقمح ووضعها برفق على الجانب ربما يتفضل الزائر ويتقبل هدية الترحيب. تنحى الرجل إلى الجانب وجلس على الكرسي واكتفى بالنظر إلى الأفق الفسيح مدعيا عدم متابعة حركات الطائر وكأنه يتجنب الوقوع في معرة المن وإيقاع الزائر في لعنة السؤال.

اقترب الطائر من الصحن بحذر واستجاب لدعوة المضيف ومنحه شرف الكريم المعطاء. ارتسمت على تقاسيم وجه صاحب البيت ابتسامة القناعة والافتخار، كيف لا وقد ظفر بثقة رمز الحرية والنعومة والحب والنقاء. نظر إلى الطائر وابتسمت عيناه من شدة الفرح وتلقائية إمضاء وثق العلاقة مع هذا المخلوق النقي. كان ينتظر نظرة من الطائر وتفوق في الحصول عليها، نظرة ليست كالنظرات، ملؤها الحب والوفاء والثقة والامتنان. صراع نظرات، من يحتضن الآخر أكثر، صراع تسابق نحو العطاء بموجبه تم إبرام وعد وفاء وإخلاص وتسليم وحرص على الالتزام بالرسالة الربانية في نشر الحب وتقديسه. في جمال تفاعلهما تنصهر جميع التفاصيل وتتوقف الحركة ويسمو جمال قداسة الحب اللامشروط وتسقط جميع الاعتبارات المادية والنفعية.

استمر الحوار بين الزائر والمضيف على نفس المنوال لبضعة شهور، تفوقا خلالها في نسج أصدق علاقات الود والعطاء والوفاء. حيث اقترب الطائر من المضيف وترفع عن واقع المسافة وضرورة توخي الحذر، وبدأ يلتقط الحبات من يد الرجل في ملكوت الثقة وعمق الحميمية والتودد.

تخلف الرجل عن الموعد بسبب المرض الذي ألزمه الفراش، وافتقد رؤية الرفيق الذي أصر على القدوم رغم غياب المضيف لثلاثة أيام. استشعرت الزوجة ما يتحرك في ذهن زوجها وما يقلقه، ووعدته مبتسمة بإكرام الضيف كما دأب على ذلك من أجل رفع معنوياته واستدامة نشاط جمال قيمه. وكما بادرت السيدة بالحيلولة دون انصرام حبل الود، بادر الطائر بالاستجابة.

تم نشر المقال على رأي اليوم 06 أكتوبر 2025 أنقر

Comments are closed.