قصة قصيرة: شذرات فكرية في حب الذات
April 20, 2026

 قصة قصيرة: في تواضع الجبال

تتميز الجبال عن غيرها من المخلوقات بارتفاعها الهائل وقوتها الرهيبة وضخامة تمثلها. تظل ساكنة، هادئة، ثابتة، واثقة، وفخورة بجمال خلقتها، شامخة في كبرياء يمنعها من التعبير عن النقص أو الحاجة أو صعوبة الصمود، لا تميل إلى التمرد أو العصيان ولا تكترث لرأي الآخرين وتقدم أحسن تمثل لقيم القناعة وحب الذات والاعتزاز بالهوية والتطلع . كما أنها لا تنحو نحو التهديد أوالاسترزاق أو التوسع والسطو رغم ما تمتلكه من مقومات وذخائر وعناصر قوة وترهيب. تفردت بقيم وقناعات غير قابلة للتفاوض أو الابتزاز. تسود ولا تسطو، تعلو ولا تحتقر، تعطي ولا تسلب.

لكل جبل قمته و خصائصه الجغرافية والجيولوجية الخاصة والنوعية وتاريخه الطويل، يبطن شخصية غامضة تدعو إلى الاكتشاف والتحدي والتدبر والاعتبار. كل جبل يقود وجوده الشخصي ورحلته النوعية ويفرض الاحترام ويحيل على التفرد والتميز من خلال عالمه الخاص.

استأثرت الجبال باهتمام الناس ونسجت حولها الأساطير والحكايات ونالت من الإطراء والتبجيل إلى درجة العبادة والتقديس، كيف لا وهي تحتكم الى أدبيات خاصة ترفض التحوير أو التقنين أو التعديل أو التدخل البشري و تبدي الانفعال الغير متوقع والمرعب استجابة لقوانين الطبيعة ومنظومة وجودها.

على الرغم من جبروت قوتها، فالجبال لا تتنافس فيما بينها لإثبات الحضور أو بسط الهيمنة أو تكريس الاحتكار ، ولا تتحدى بعضها البعض، ولا ترغب في النزال ولا تبدي الغيرة والحسد والضغينة ولا تضمر المكيدة ولا تتفاخر بارتقائها إلى السماء أو ضخامة بنيانها ولا تبحث عن الاستئثار بالاهتمام أو التميز، تعلو ولا تسود، تتواضع وتسمو. من عمق الحكمة التي أهديت عرفت قدر نفسها وأبت أن تتحمل الأمانة وارتاح البال في ملكوت صفاء النية والقناعة وحب الغير ولذة السكينة.

لم تدخل الجبال في أي صراع ، بل على العكس من ذلك، أبدعت في نسج فسيفساء تناغم منفرد في الطبيعة وأهدت الجميع التوازن والاحترام والحب.

تم نشر المقال على رأي اليوم 31 ماي 2026 أنقر

Comments are closed.