قصة قصيرة: في تواضع الجبال
April 23, 2026

قصة قصيرة.. معاناة أستاذ

جلس الأستاذ قاسم في المقهى استجابة لنداء العادة اليومية التي تجذب وتقود نماذج اجتماعية أخرى إلى نفس المكان، كل نموذج، بحمولة نفسية وذهنية نوعية ،يحمل قصة مختلفة عن النماذج الأخرى التي تستقر في نفس وسط العيش وتتحرك وفق نفس الأعراف و تحت إمرة نفس الحكامة القائمة.

بعد ما استقر جسمه لدقائق على المقعد وفي بحث تلقائي عن الاستقرار الذهني للحظات، أشعل سيجارته الأولى بالقداحة مرسلا نظراته إلى نقطة التقاء النار بالسيجارة معلنا بداية العد العكسي لحياتها و مستسلما لشراهة التدخين، في انسياب مع ارتشاف القهوة و تدفق الخواطر والأفكار والذكريات والسفر في الماضي برشاقة ودون فواصل.

تحيل تقاسيم الوجه على رجل منهك، يحمل من الهموم ما يكفي لأجيال متعاقبة، ربما مدمن على التفكير، أو وريث حمل من المشاكل، أو سجين الفاقة المادية، فعلت قساوة الايام فعلها ورسمت آثارها على وجه الرجل وحولته إلى عمل فني موضوع قراءات متعددة تتمحور حول البؤس والمعاناة او الإحباط المزمن، يفوق مظهره عمره البيولوجي وينتقل به إلى اختصار الزمن والأجيال والتقدم بسرعة نحو الشيخوخة البيولوجية.

كلما وطأت قدم أحد الزبناء المقهى إلا وتبادل التحية مع بعض ممن استقر في المكان احتراما لعادة ملاقاة نفس الوجوه في نفس المكان وفي نفس الحيز من الزمن أكثر منه للأشخاص.

نفس الخواطر تطفو إلى السطح وتستأثر بتركيز الرجل وتعزله عن تفاصيل ما يجري في المقهى لدقائق.

” اشتغل أستاذا لمادة التاريخ منذ أكثر من عقدين. كنت مهووسا بالتاريخ منذ سن المراهقة، درسته وتفوقت فيه كطالب واخترته كشعبة الدراسة في الفترة الجامعية حتى رست بي سفينته على ساحل مهنة التدريس. بعض زمن قصير بدأ الشغف في الأفول حتى انصرف دون عودة. في الحقيقة، كانت فترة الاكتساب كطالب فترة الاستقلال عن جميع الاعتبارات والتحرر من جميع القيود، فترة حرية وشغف واستمتاع سرعان ما تبخرت بعد بداية تدريسه وتمرير التصورات التي أريد لها أن تمر وتستقر في الأذهان من خلال المقرر الرسمي. أصبحت شاهد زور مشتركا من حيث لم أحتسب في جريمة شحن العقول بالأباطيل والأكاذيب والافتراءات التي تخدم مصالح أشخاص وتأسر مصالح الوطن والناس إلى أجل غير محدود وترجو صناعة مجد الحاكم الذي ينسى إسمه ويندثر بمجرد وفاته.”

تتوقف الخواطر للحظة لفسح المجال للأستاذ لرد السلام على أحد القادمين إلى المقهى، ثم يستأنف رحلته بسرعة في عالم خواطره.

“الجغرافيا متحركة باستمرار، غير أنني أجعلها جامدة ثابتة مستقرة، بالقدر نفسه أقطع صلة الماضي مع الحاضر فتغدو الأحداث بالية متآكلة رغم سطوة الماضي على الحاضر عندنا. أعاني من عذاب الضمير جراء التناقض الذي أعيشه، تحول الشغف إلى برودة في العمل وروتين لا يطاق. حاولت التوقف والاستقالة ولم أستطع خوفا من البطالة وجحيم الفاقة. كيف لي أن أجد عملا آخر في بيئة تحتكم إلى الزبونية و الريع و الفساد البنيوي المهيكل. لماذا لا يعتبر الطغاة؟ لماذا الإصرار على إعادة نفس تصورات الضلال والغباء ؟ ألا يرون ما حدث لآبائهم وأسلافهم؟ ألا يرون أن حركة التاريخ لا ترحم؟ أهي لعنة أصابت المنطقة العربية وأصرت على الخلود في الأذهان والنفوس والأرواح؟ اللعنة علي يوم اخترت مهنة التدريس وبالتحديد مادة التاريخ. كنت ضحية الهوس والاندفاع والمراهقة الفكرية. “

في نفس المقهى من المنطقة العربية استقرت أجساد بدون أرواح يسير عمرها ويحترق مثل عمر السيجارة، كل جسد يحمل ما يغنيه عن الاهتمام بالآخرين. ثمة من اختار الجلوس وحيدا والاستئناس بأفكاره وهواجسه وهناك من اختار الاستئناس بشخص آخر أو شخصين لعله يظفر بلحظات تبعده عن لهيب الحياة الحارق من يوميات ضحايا صناعة الاستبداد والاستعباد.

تم نشر المقال على رأي اليوم 30 أبريل 2026 أنقر

Comments are closed.