قصة قصيرة : لعنة حب الكتاب
April 16, 2026

قصة قصيرة: ماسح الأحذية

الشهرة

الشهرة

جلس السيد محسن في المقهى في استراحة اعتيادية يرتشف خلالها قهوته المعتادة في نفس المكان. في رحاب فترة ما بعد الظهيرة حيث لا زالت أشعة الشمس حارقة وحركة السير خفيفة في الشوارع، اعتاد الرجل على التعايش مع نفس تفاصيل اللحظات التي اختارها بمحض إرادته باحثا عن قسط من الراحة الذهنية والنفسية لعله يكمل ساعات العمل التي تنتظره على أحسن حال.

في ملكوت عزلته الاختيارية وبعد دقائق على استقرار جسده على الكرسي، اقترب من السيد محسن شاب في العشرينات من عمره وأرسل حركة لبقة وخفيفة يعرض من خلالها خدمة تلميع الحذاء. تردد الرجل للحظات ثم استسلم في الأخير لعرض الشاب بنية مساعدته وتشجيعه أكثر من رغبته في الاعتناء بحذائه لما يضمره من اشمئزاز نحو وضع يمقت فيه مد القدم من وضع علوي لكائن بشري آخر يسعى وراء لقمة العيش.

جلس الشاب وانكب على تلميع الحذاء في صمت وجد وتركيز دون أن يسترق النظر إلى وجه الزبون و بحركات سريعة وأنيقة تحيل على سنوات من ممارسة الحرفة. بعد دقيقتين وفي محاولة من أجل كسر الشائع في علاقة ماسح الاحذية بزبائنه و بحثا عن خلق جو ودي مع الشاب بادر السيد محسن بطرح السؤال المعهود و بلباقة:

  • “كيف هي أحوالك في رحلة الحياة؟”
  • “نعيش اليوم ونحمد الله ولا ندري ماذا يحدث غدا.”
  • “كل الخير إن شاء الله.”
  • “كيف هي أحوالك مع الزبائن؟”
  • “هي عوالم من العجب تقود إلى الجنون والخبل.”
  • اندهش السيد محسن لنوعية الجواب وابتسم وقال: “أتفق معك.”

استمر الشاب في حديثه قائلا: “يصعب فهم طبيعة الإنسان، لكن من خلال حرفتي خبرت خفاياه. أختلف إلى عدة أمكنة أغلبها المقاهي وأعاين وجوها كامدة، مكفهرة، قانطة، مستنفرة، لا تعرف البشارة ولا الابتسامة. هناك من الزبائن من تحس بالغل الذي يسكنه فقط بعد لمس حذائه وأجد نفسي أقوم بتلميع السراب. وهناك من يسكنه هوس التلميع ويسطو على تركيزه وهواجسه.”

“أظنني أفهم ما تقصد!”

استحوذت التلقائية على الشاب ورفع القيود عن الحديث وبدأت الكلمات تتدفق بانسياب من بين شفتيه.

“نعيش في مجتمع منافق سطحي فارغ، تحكمه لغات الاستصغار والاحتقار والتكبر. نادرا ما تصادف من يحترم الإنسان ويحفظ كرامته. ما دمت أقوم بتلميع الأحذية وأنحني للأقدام فإنني أصنف بين المنبوذ والمشبوه والمتهم والوضيع.”

“بل إنك بممارسة العمل والكسب الحلال تحفظ كرامتك. هل لي أن أسألك عن سبب اختيارك لهذه المهنة؟ “

“هي من اختارتني، لقمة العيش سيدي. تنقلت بين حرف متعددة وأجد نفسي بين أحضان هذه المهنة الآن. هل لنا حق الاختيار في وطن ضائع تنهشه المحسوبية والزبونية والفساد؟”

“أنت رجل يفرض احترامه مادمت تعمل وتأخذ بالأسباب المقبولة.”

“للناس منطق آخر سيدي الفاضل. الوضع السفلي المؤقت يجعلني وضيعا إلى الأبد، بينما الوضع العلوي يجعل صاحيه يزهو ويتبجح وينطلق في أوهام العظمة وأحلام اليقظة التي لم تطأها أقدام حقيقته قط. “

“أعيش نفس الوضع، نختلف فقط في الموقع ومثلنا العديد. هو نفس المنطق الذي يستفرد بالعقول و يشيع أينما حللت وارتحلت. وعي جماعي بئيس وعقيم تحكمه جميع أنواع تراتبيات الذل والاستصغار والاحتقار. الكل يعاني من اضطرابات نفسية لامتناهية ، وكل واحد يحاول تفريغها في وجه الآخرين.”

“نعم سيدي. ومع ذلك لن أرتدي جلباب الضحية ولن أتنازل عن حق العيش الكريم.”

” بكل تأكيد ، اكتسبت من التجربة ما يجعلك قادرا على رفع جميع التحديات والانتقال المستمر إلى ما هو أفضل، لديك ذخيرة رهيبة من التجارب .”

“في جعبتي قصص حقيقية بمثابة حفريات تحيل على العمق الاجتماعي والبعد النفسي للناس. أستطيع قراءة ملامح الوجوه ومقاربة المعاناة بفضل فراسة اكتسبتها من تفحص سريع للملامح والإبحار في عمق أسرارها وما تخفيه من خفايا. “

“أنت متميز وتحمل ذخيرة تجارب متفردة لكن بقية الناس تعيش كالقطيع وفي غيابات التدجين ضائعة.”

استمر الحديث لربع ساعة فاز خلاله السيد محسن بلقاء شاب لن يلتقي بنظيره إلى بعد حين.

تم نشر المقال على رأي اليوم 15 ماي 2026 أنقر

Comments are closed.