
عند ولوج المقهى الاعتيادي، وجد السيد حسن صديقا له جالسا على الطاولة القريبة من الباب، ابتسم وتوجه نحوه من أجل إلقاء التحية. كان صديقه منغمسا في قراءة مادة معينة على الكمبيوتر غير مكترث بما يجري حوله، في هروب من واقعه المعيش إلى واقع افتراضي حقيقي. عندما اقترب منه، رفع الصديق رأسه، ربما في استجابة تلقائية لنداء الكيمياء الودي بينهما أو تواصل الأرواح، وانطلقت ابتسامة ود تلقائية ودون تصنع تخترق الأرواح وتغدق الدفء والأمل على مستقبلها. قد يراها البعض بالحركة اليسيرة البسيطة لكنها حقا حركة صعبة لا تخرج إلا من سراج الكريم المعطي القوي.
وقف الرجل وسلم بحرارة على السيد حسن، إذ لم يقع اللقاء بينهما منذ زمن و بمجرد تدفق الكلمات الأولى اعتلى الإحساس وكأن آخر لقاء حدث فقط البارحة، إحساس الارتياح وتفاعل الأرواح النابع من صدق المودة التي تظل مستقرة متحركة في الدواخل ولا تفتر، لاستقلالها عن الاعتبارات والمصالح وترفعها عن كل نعرات الأنانية والفردانية.
“أرك تختنق، أليس كذلك؟” بادر السيد حسن صديقه بالحديث مازحا.
“وكيف لي الإنكار و نحن على نفس القارب؟!”
“نحو الغرق أم النجاة؟”
“نحو المجهول، دون وجهة محددة”
“أتفق!”
“ما العمل إذن؟”
“سنختنق أكثر و يشتد الخناق من حولنا أكثر. نحن نسبح ضد التيار.”
“للأسف نعم.”
“لنسبح إذن مع التيار.”
“سنموت موتة نكراء.”
“ألم تتبع منهاج الرواقيين؟”
“بلى، ولكنني لم أوفق!”
توقف السيد حسن للحظات وكأنه يحاول ترتيب أفكاره، ثم أردف في الحديث بصوت يسكنه الأسى:
” لو سألتني عشرين سنة مرت عن توقعاتي للمستقبل لن أتخيل أو أتوقع أسوأ مما هو كائن الآن. غريب والله أمر الحياة غريب.”
“الأمر ليس بالغريب وإنما واقع يعج بمخرجات مدخلات القبح والجهل والسفاهة. هذا ما نستحق بكل بساطة.”
“ما يرعبني هو تسيد العبودية الطوعية للمشهد. صرنا نركض نحوها ونحتمي في أحضانها ولا نرى سبيلا للنجاة غيرها.”
“صناعة الخوف ياصديقي.”
“نعم،صناعة الخوف والجهل والفقر. دائما ما أتساءل كيف لأناس تجرؤوا على الاستثمار في تجهيل الناس وسلب إدراكهم
وتشويه تصوراتهم؟ كيف يصل خبث الإنسان إلى الدرك الأسفل من الرذيلة والسفالة و يسلب الإنسان إنسانيته ؟”
“هم شياطين لا يميزون بين الحق والباطل ولا يألون جهدا في وأد كل ما هو جميل و طيب.”
” سلبوا آمال أجيال وسرقوا أعمار وجهد الناس ونهبوا الزرع والماء والهواء ولم يشبعوا!”
” ومتى كان للشجع لجاما و للتملك رقابة. يأتيان على الأخضر واليابس ولا يعرفان الحدود أو الفواصل.”
“وهل نستسلم ونقتصر على المشاهدة؟”
“لا، بل أجاهد نفسي وأصمد وأدعو أهلي إلى تبني نفس النهج وذاك مبلغي من العلم والجهاد. لهم دين ولي دين”
“جميل.”
” أتركك تكمل عملك و أبحث لنفسي عن مكان اختلي فيه.”
“طاب يومك، صديقي.”
تم نشر المقال على رأي اليوم 08 يناير 2026 أنقر