قصة قصيرة.. الكفاح ثم الكفاح
July 21, 2026

قصة قصيرة: كلنا في سراح مؤقت

أغنياء ويمارسون التسوّل

كان الرجل يخطو خطواته باطمئنان وبطء غير مكترث بما يجري حوله من حركة وتحركات في المدينة التي تحتضن حضوره الغائب، اختار الانسحاب واللامبالاة والاستكانة إلى سلطة الهامش، تستوطن ملامح وجهه تموجات الكبرياء والترفع والصمود. توقف بجانبي على حافة الرصيف حيث كنت انتظر الحافلة وطلب بكل ادب سيجارة. منحته إياها على التو وأخذها برفق وامتنان. كان يحمل فراشه البسيط معه، من المؤكد أنه يقطن الشوارع ويفتقد لمكان يأويه، جلس بجانب المحطة وقال: لا يجب تدخين السيجارة خلال المشي لأن الرئتان تمتصان النيكوتين أكثر منه عند الجلوس. تحدث بلباقة وبطريقة عفوية تخلو من التحفظ أو الإحساس بالنقص. ضمنيا، وجه لي الرجل دعوة للخوض في دردشة سريعة، استجبت لها بطريقة أسرع.

“أراك تحمل متاعك وفراشك معك. أليس بالأمر المتعب؟” سألته بلباقة وحذر خشية جرح مشاعره.

تريت لفسحة من الثواني ثم قال بهدوء:

“ليس لي مأوى. كل ليلة اختلف إلى مكان غير محدد وأقضي الليلة فيه.”

رغم مرارة الجواب، كانت نبرة صوته منتظمة و خالية من الحسرة أو الحزن، وكأن الكلمات فقدت معانيها عنده. يبدو أن الرجل هزم تقلبات الحياة بالاستغناء عن الانخراط في طواحين دورة الحياة واختار السخرية بطريقته والتبخيس من قيمة الوجود في براثن القيود.

انتابني إحساس غريب وتملكتني جرأة في كسر ذاك الجدار الحديدي الذي أقامه تصوري حول هذه العينة من الناس منذ الصغر. لم يسبق لي أن تحدثت مع أحدهم أو حاولت تجاوز حدود ذاك الجدار. إذ ما تراكم في وعيي عما يسكن الشارع لا يتعدى النظرة الحذرة منهم وعدم الاقتراب إليهم. لماذا ؟ لا اعرف؟ رغم أنني لم يسبق لي أن رأيت أحدهم يرتكب جرما أو سرقة. لكنها سلطة المخيال و اليقينيات.

“أليس لك أهل تستقر معهم؟”

“لا.”

تردد للحظات ثم تابع حديثه:

” أعني لي أهل لكنهم في حكم اللاموجود.”

“فهمت.”

“هل تخلوا عنك؟”

” أنا من قررت المغادرة. كان لي ولدين.”

“ولماذا غادرت البيت؟”

“ضاقا بي ذرعا كلاهما ودفعني كل واحد منهما بطريقته إلى مغادرة البيت.”

في نبرة صوته سفر إلى الماضي البئيس الحاضر بقوة في الذاكرة، تابعت الحديث:

” اعذرني إن سألتك هل البيت في ملكيتك؟”

“لا في ملكيتهما. كل واحد منهما يسكن طابقا وكنت أستقر مع العازب أما الآخر فهو متزوج.”

“أليس لك أي دخل؟”

“لدي معاش لا يسد رمق العيش.”

استمر في الحديث بعفوية وكأنه يعرفني منذ زمن بعيد. شدني الرجل إليه بطريقة غريبة وكأنه والدي و كانت نظراته قوية ونافذة تحيل على النواة الصلبة الحقيقية للرجل، نظرات منبعثة من طاقة غير عادية تصيبك و تجهز على حركتك لما يكتنزها من رهبة وعمق وبعد. اخترت الصمت تائها بين الأسف والحرج باحثا عما أقوله. لكنه استمر في الحديث وكأنه هو من يريد رفع الحرج عني. حدسه قوي للغاية وقراءته لأفكاري موفقة جدا ودقيقة.

” اشتغلت لما يزيد عن 35 سنة وظفرت بمعاش زهيد. إنه الوطن يا بني!” آااه من وقع كلماته، تهز القلوب وينحني لها جبروت الجبال.

كانت تقاسيم وجهه تتحرك وفق ما يختار التفاعل معه غير مكترث بحركة الخارج، ما دام ذاك الخارج قد لفظه ولم يحسن ضيافته.

قلت في ميول نحو المواساة أكثر منه إغناء للحديث:

” للأسف لا نحسن مكافأة المواطن الصالح ولا نتقدم له بالامتنان المستحق ولا نوفر له سبل العيش الكريم.”

“لم نرقى بعد إلى مرتبة المواطن، لا نتعدى صفة الأقنان في مستنقع الإقطاع المستبد العابث بالبلاد والعباد. الوطن ينزف من وطأة الضياع، ياولدي.”

لم أتقدم بأي تعليق،ثم تابع:

“أتعرف، يلقي بنا فشل التدبير القائم على الهامش وتلاحقنا الشرطة في الشوارع، هل من صفاقة أفظع من هذه؟ يدافع المسؤول عن نفسه بالتملص من المسؤولية والاكتفاء بالتشخيص وكأنه غير معني بالأزمات التي يقوم على هندستها وتنزيلها على أرض الواقع، بل يستميث في ذلك بتلذذ واعتزاز. هو من يعاني من اضطرابات نفسية وليس نحن معشر المهمشين على الأرصفة.”

“ألا تحرجك صفة مشرد؟”

“انا العار الذي يلحق من في التدبير، في الحياة وبعد الممات. أعرف جيدا أغوار هذا المجتمع، ما أراه في الشارع يحيل على حقيقة البلد. أنظر إلى اكفهرار الوجوه المظلمة، الى حركة الأجساد المضطربة، إلى الأذهان الغائبة. الضياع يا بني يتسيد يعلو ولا يعلى عليه.”

” و نحن من يظن أن أمثالك هم الضائعون وننسى حقيقة ضياعنا.”

“نحن نبدي الشجاعة والوضوح ونعري حقيقة البلد، أما أنتم تختفون وراء أقنعة واهية سريعا ما تسقط حسب الطلب. النرجسية والأنا تجهز على الجميع.”

فجأة توقفت سيارة الشرطة أمام المحطة، واتجه شرطي مسرعا نحو الرجل. أمسكه من ذراعه بطريقة لا تليق بعمره وطلب منه الصعود إلى السيارة. لم يبدي الرجل أي مقاومة وانكب على حمل متاعه، توجهت بالحديث إلى الشرطي في محاولة لإقناعه بترك الرجل. لكنه أجابني ببرودة ونظرات تحذير : ” الأمر لا يخصك. إذهب إلى شانك.”

وجه الرجل إلي نظرات تقول الكثير و تحمل خليطا من مشاعر الألفة و الامتنان والأسى و الثقة و اللامبالاة، ثم قال:

“كلنا في سراح مؤقت.”

تم نشر المقال على رأي اليوم 17 فبراير 2026 أنقر

Comments are closed.